سماحة آیة الله العظمی السید محمدتقی الحسینی المدرسی، الزعيم الروحي للطريقة الحسين (عليه السلام)
بلا شك، لم تكن ولادة الأنبياء الإلهيين وتربيتهم بعيدة عن العناية والتخطيط الإلهي؛ فبناءً على تصريح القرآن الكريم، كانوا قبل الولادة وفي الطفولة، ومنذ ولادتهم وحتى نهاية أعمارهم تحت رعاية خاصة من الله سبحانه وتعالى. وكان خاتم الأنبياء، النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، أكثر من غيره من الأنبياء مشمولًا بعناية الله، حيث قال تعالى: «ألم يجدك يتيماً فآوى» أي: يا نبي، كنت يتيمًا بلا مأوى، فآواك الله. وقال في موضع آخر: «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم»، وفي آية أخرى: «وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله…». وبناءً على أن الأنبياء كانوا تحت حماية الله، فقد كانت ولادتهم مصحوبة بعلامات واضحة. وعند ولادة النبي الأعظم وردت بعض العلامات سنذكرها بإيجاز هنا.
ولد النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) في السابع عشر من ربيع الأول، في العام الذي جاء فيه أصحاب الفيل لهدم الكعبة المشرفة. وعند ولادته وقعت معجزات وأحداث عظيمة، منها:
إغلاق أبواب السماء في وجه إبليس وأتباعه.
وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن إبليس كان يصعد إلى السماوات السبع ليستمع الأخبار السماوية، فلما وُلد عيسى (عليه السلام) مُنع من ثلاث سماوات، ولما وُلد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مُنع من جميع السماوات، ورُميت الشياطين بالشهب من أبواب السماء.
في فترة الرضاعة، رضع النبي من أمه ثلاثة أيام فقط، وبعدها ثبت يقينًا أن حليمة وحدها حظيت بشرف إرضاعه.
حليمة: بعد أربعة أشهر، قدمت المرضعات من قبيلة بني سعد إلى مكة، وكان ذلك العام شديد القحط، فكنّ في أمسّ الحاجة إلى دعم الأشراف. وكانت حليمة بنت أبي ذؤيب المرأة الوحيدة التي رضع منها النبي الأكرم. وقد حظيت بشرف إرضاعه مدة خمس سنوات.
ويشهد القرآن أن النبي كان يتيمًا في طفولته، وكان تحت عناية خاصة من الله تعالى: «ألم يجدك يتيماً فآوى». وقد أكد المؤرخون والعلماء أن طفولته كانت مليئة بالعجائب. ومن حليمة رُويت كرامات وأحداث خارقة كثيرة عن فترة رضاعته. وتشهد صفحات التاريخ أن حياة قائد المسلمين العظيم منذ طفولته حتى بعثته كانت حافلة بسلسلة من الحوادث العجيبة التي تدل على أن حياته لم تكن عادية.
النبي (صلى الله عليه وآله)، الذي كان في كفالة جده عبد المطلب، قضى خمس سنوات في البادية مع مرضعته، وخلال هذه الفترة رُويت قصص مدهشة على لسان حليمة وعلى لسان النبي نفسه. ومن روايات حليمة أنها حملت النبي إلى شجرة يابسة فاخضرت وأثمرت. ومن أخلاقه في هذه المرحلة أنه كان كثير الحياء والعفة، ومنذ أن دخل بيت حليمة حلّت البركة والرزق في بيتها. وروي عن ابن عباس أن الأطفال كانوا يتسابقون إلى الطعام، أما النبي فلم يكن يمد يده. وكان إذا استيقظ الأطفال عيونهم مملوءة بالرمص، بينما كان النبي يستيقظ بوجه نظيف مشرق وطيب الرائحة. وقالت حليمة: لم يُر جسده مكشوفًا قط، وكان شديد الحرص على ستره، ولم يره أحد وهو يقضي حاجته، وكان حيياً عفيفاً نورانياً. وروي أيضاً أنه لم يُبدِ جوعًا أو عطشًا قط، بل كان يشرب من ماء زمزم.
ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في نهج البلاغة: «وقد قرن الله به من لدن أن كان فطيماً أعظم مَلَكٍ من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره».
17 ربیع الاول 1447
09 September 2025