ذكرى استشهاد الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، الإمام الحادي عشر من الأئمة الاثني عشر

حين يقف على سجادته للصلاة يقطع نفسه عن الدنيا كلّها، فيترك العابدين في دهشة وحسرة، ويهدي القلوب البعيدة عن الفطرة والوصال إلى شاطئ العبودية. وقد اعترف بذلك “صالح بن وصيف”، سجان الإمام، إذ قال جواباً لمن طلبوا منه أن يشتد في التضييق على الإمام: “ماذا أصنع؟! إنني أوكّل به أشرّ الرجال، فما هي إلا أيّام حتى يجذبهم بنوره، فإذا هم في صلاة وصيام.”

ولم يكن الإمام (عليه السلام) قدوةً في العبادة فحسب، بل كان في الساحة الاجتماعية والسياسية مثلاً أعلى لأهل الحق والعدالة؛ إذ تحمّل السجن بصبر وشجاعة، ونظّم أوضاع الشيعة وحافظ عليهم من بطش الطاغوت، وكانت هذه بعض مواقفه العظيمة في خضمّ أحداث المجتمع والسياسة.

وجود الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) القسري في حيّ “العسكر” بمدينة سامرّاء، والذي أكسبه لقب “العسكري”، كان في ذاته نوعاً من السجن. لكن الطغاة لم يكتفوا بذلك، بل ألقوا به مراراً في السجون الرهيبة. ولا شك أن هذه السجون كانت ثمرة صراعه مع أربعة من خلفاء بني العباس: المستعين بالله، المعتز بالله، المهتدي بالله، والمعتمد بالله.

يذكر الكليني (رحمه الله) أن الإمام العسكري (عليه السلام) سُجن عند “علي بن نارمش”، وكان من النواصب شديد العداء لآل أبي طالب. وقد أوصاه رجال البلاط أن يُشدّد على الإمام، لكن لم يمض يوم واحد حتى تغيّر حاله، وأصبح مبهوتاً من هيبة الإمام، لا يرفع بصره عن الأرض أمامه. وبعد مدة قرّر المستعين العباسي قتل الإمام، فأمر حاجبه “سعيداً” أن يقتاده نحو الكوفة ويقتله في الطريق. وانتشر الخبر بين الشيعة، فسارع المخلصون منهم بإرسال رسالة إلى الإمام يخبرونه بالمكيدة. فأجابهم الإمام: “سألتُ الله أن يقضي على هذا الطاغية في غضون ثلاثة أيام.” وبالفعل، في اليوم الثالث خلع الأتراك المستعين من الخلافة.

من أساليبه (عليه السلام) في مواجهة الخلفاء الظالمين: إيجاد رابطة عميقة ومنظمة مع شيعته. فقد روى أبو هاشم الجعفري أنه قال: دعاني الإمام في أحد الأيام، وأعطاني عصاً وقال: “أوصل هذه إلى عُمري.” وفي الطريق صادفتُ سقّاءً استوقفني ليمرّ بدابته، فلم أتنحّ، فرفعت العصا وضربت بها البغل، فانشقت العصا وتساقطت الرسائل التي كانت مخبّأة فيها. جمعتها على عجل بينما السقّاء يشتمني، ثم أسرعت لأداء المهمة. ولمّا عدت، استقبلني خادم الإمام “عيسى” وقال: “مولاي يقول: لِمَ ضربت الدابة فكسرت العصا؟! إيّاك أن تعود لمثل ذلك، وإذا سمعت من يسبّنا فلا تُظهر نفسك، وامضِ في طريقك؛ فإننا نعيش في أرضٍ سيّئة.”

ويؤكّد أحمد بن إسحاق رواية أخرى في هذا السياق، إذ طلب من الإمام أن يكتب له شيئاً ليعرف خطّه ويتمكن من تمييز رسائله، فقال الإمام: “قد يكون خطي بالقلم الغليظ أحياناً، وبالقلم الرفيع أخرى، فلا تدع الشك يتسلل إليك.” ثم كتب، وأراد أحمد أن يأخذ قلمه للتبرّك، فبادره الإمام وأعطاه القلم من غير أن يطلب.

هذه الروايات تدلّ على أن صلة الإمام (عليه السلام) بالشيعة كانت في غاية الدقّة، وكان يقودهم في حركة منسقة ومنظّمة.

أي حركة أصيلة إنما تستمر بحفظ كيانها وحسن استثمار طاقات أتباعها، أمّا الانحرافات فتمثل خطراً عظيماً حتى على الحركات الإلهية. ومن هنا كان الأئمة المعصومون (عليهم السلام) يوصون الشيعة دوماً بمبدأ قرآني أصيل هو “التقيّة”. فالإمام العسكري (عليه السلام)، مع تشديده على البراءة من أعداء الله، كان يذكّر الشيعة دائماً بضرورة العمل بالتقيّة.

ومن الروايات الدالّة على ذلك أن أحد محبّي الإمام يقول: “كنا ننتظر لقاء الإمام في سامراء عند باب داره، فإذا برسالة منه تصلنا، وفيها: لا يسلم عليّ أحدكم ولا يشير إليّ، فمن يفعل ذلك لا يأمن على نفسه.”

📅 Event Details

9 ربیع الاول 1447

01 September 2025